ضاعت مني كل كلمات الشكر والعرفان وأنا الكاتبة الماهرة التي لا تهرب مني الكلمات .. ضاعت مني كل كلمات التقدير والوفاء وأنا الكاتبة الساحرة التي تتعجب مني الكلمات حين أشذبها وأصقلها وألصقها وأسطرها بعنفوان وغرور وكبرياء على الورق كيف تهرب مني هذه المرة ؟ . كيف تتبعثر من أمامي وتتلعثم يداي وتحمر وجنتاي وتدمع عيناي ويرتبك قلمي على خلو وزارة التربية والتعليم من مكتبها .. من مقعدها .. من ضحكاتها .. من حيويتها .. من حسها .. من حنانها .. من تواضعها .. من عطائها .. من فيضها .. من إحساسها .. من إنسانيتها .. من نهوضها مبكرا وصعودها لبرج التربية .. هي الحنونة الرؤوم .. الصديقة الصدوق .. حين تلتقي عيناي بها أجد بريقا لامعا فياضا يتحدث عن هموم وشجون مربية فاضلة .. وحين أصافحها .. ترتعد يداي .. أنا المعلمة التي لم تتعد سنوات خبرتي الثمانية تصافح يدي مربية قديرة معطاءة .. أحادثها على استحياء فكلماتها ليست ككل الكلمات .. أجهز جيشا من الكلمات حين ملاقاتها ولما التقيها أتلعثم .. أصمت .. أقرأ كل معانات التربية والتعليم على جبينها .. اقرأ كل تضحياتها في امتداد يديها لمصافحتنا .. اقرأ كل عبارات الشكر والتقدير لنا على جهودنا ومعاناتنا مع التدريس .. تشع منها أمارات الرقة في التعامل مع مشكلات طالبات بالمرحلة الثانوية .. عطاؤها تخبؤه على استحياء خطابات الشكر في أدراج مكتبها.. وخدماتها في ميدان التربية يخطها مكتب الإعلام التربوي .. ونشاطاتها الميدانية تشهد لها مدارس البنات الثانوية من أقصى الشمال إلى جنوب الدوحة إلى وسطها وشرقها وغربها .. كالنحلة في نشاطها .. كالفراشة في حنانها .. لا أتصور كيف سيكون التعليم الثانوي في أمانة يد غير يديها الكريمتين .. لا أتصور أن نعقد في مدارسنا ملتقيات شراكة تلتقي فيه أسر مدرسية وأولياء امور وطالبات وبضيافة رئاسة التعليم الثانوي دون أن نلتقي بوجهها .. ستبقى الفاضلة موزة فخرو .. الحاضرة الغائبة في وجدان كل طالبة انشرح قلبها لها وارتسمت البسمة على محياها.. وفي قلب كل مدرسة مسحت عن جبينها معاناة التدريس وتخبط الانتدابات .. وفي داخل كل مديرة فتحت لها أوجاع التربية التي لا تنتهي فأهدتها مفاتيح النجاح والتواصل والحلول .. وفي داخل كل أم قصدتها بوجه غاضب عابس فخرجت من مكتبها بوجه مبتسم مفعم بالأمل والسماحة والرضا .. وفي داخل كل عاملة قدرت عنائها وعرقها .. وفي داخل كل زميلاتها ورفيقات دربها ممن التقين بها فالتصق بهن شعور الألفة والأمان والرضا ..
فكيف لا وهي مزيج من صورة الأم المثالية والمربية المكافحة والمعلمة القديرة والزميلة المواصلة للعطاء التربوي حتى آخر رمق .. حصاد من سنوات عميقة صاحبتها تضحيات وسرقت منها تقاليد السعادة وراحة البال .. ستظل في مخيلة كل من شاركها اللقمة والوجع .. تلك الإنسانة الرائعة .. في غيابها كل شيء يبكيها .. قهوة الصباح .. نسيم الصباح .. طيور الصباح .. مقعدها المتواضع .. مرآتها .. أوراقها .. مكتبها .. نافذتها .. حقيبتها .. قلمها .. طالباتها .. أحبها ولا أنسى فضلها .. أحبها ولا أحابيها .. أحبها ولا أزكيها .. أحبها لأنها توقد فيني الحماسة والحيوية وتشعرني بالأمان والألفة .. علمتني كيف يخاطب الصغير الكبير .. في أول مرة صادفتها خجلت من نفسي .. كيف بي أخاطبها بعفوية وتلقائية ومن دون رسميات وبيني وبينها أكثر من عشرين عاما من الزمان .. لكنني أحب مخاطبتها وممازحتها ومصادفتها وأن تلتقي عيني بعيني تربوية هادئة متواضعة أقتل أمامها غروري وأوقد أمامها شموع معجونة من الحب .. وأهديها بالنيابة عن زميلاتي المدرسات وبالأصالة عن نفسي كل ورود العالم وكل الثناء وكل العرفان وكل التقدير .. فأتسائل ما كل هذا الحب لها ؟ . إنه جزء مما أكنه لها.. من كينونة لا تفهمها الكلمات ولا كل جوابات الشكر ولا كل خطابات الثناء ولا كل مقادير العرفان .. ولا حتى كلمات أغنية الاماكن لمحمد عبده ولكن فعلا تظل الأماكن كلها مشتاقة لك ..