سنويا يقوم المسلمون بتبادل التهاني بقدوم شهر رمضان الفضيل.. شهر نطلق عليه شهر العبادات والرحمة والمغفرة.. بحيث يتقرب المسلمون إلى الله زلفى ليغفر لهم ذنوبهم.. في الحقيقة فإن الرمضانيين نوعان ، نوع ملتزم بخط في العبادات والطاعات سواء كان في شهر رمضان أو بقية شهور السنة ولكنه يزيد الجرعة في رمضان والنوع الآخر غير ملتزم بخط في العبادات والطاعات والصدقات. فخط الحياة قبل رمضان لم يكن به طاعة ولا صدقة ولا رغبة حقيقية ولا توبة صادقة من تراكم الخطايا والآثام والذنوب.. درجت العادة ان يقوم بعض الناس طيلة شهور السنة عدا رمضان بالبطش والقسوة والخيانة والظلم ولعن الفقراء ونبذ اليتامى وكل ما خلق ربي من الشرور ولما يأتي رمضان يصبحون رمضانيين وتنزل عليهم رحمة مؤقتة على اليتيم وشفقة مؤقتة على الفقير فيرحم ويتصدق ويزكي ويصلي ويقرأ القرآن فيظن الناس أنه وصل إلى درجة الرحمة التي سوف تجعله يكون إنسانا صالحا ولكنه ومع انتهاء رمضان «تعود حليمة لعادتها القديمة».. لماذا نعشق رمضان؟ هذا السؤال أطرحه للذين يهملون العبادات والطاعات ويتغيرون تغيرا مؤقتا في رمضان فقط.. تعالوا نقف على عدد من المحطات غير الإيمانية او غير المستحبة والتي لا تمت إلى عادات المسلم في شيء.. فإن ماراثون العبادات المكثفة في رمضان مؤقت ويختفي بعد رمضان.. أحدثكم عن نوع من الناس ينتظر قدوم رمضان بفارغ الصبر فليس يعشق نهاره او خلوف الفم وصيام الجوارح والجسد عن الأكل والنميمة والفحش في القول والفعل ولكن يعشق ليالي رمضان لان فيها برامج وفضائيات ومسابقات وسهرا مع اللهو والأغاني والمسلسلات حتى الفجر !.. ليال ماجنة حمراء وخيام رمضانية راقصة يقضي لياليه بلا احترام ولا تقدير لحرمة الشهر الفضيل.. يجلس الساعات الطوال حتى الفجر.. ولما ينادي المؤذن «حي على الصلاة.. حي على الفلاح» ينهض مسرعا في ظلمة الليل مترنحا يتوضأ في عجالة ويصلي في عجالة . أما لماذا يحب نهار رمضان فلأن المناوشات والخلافات وغلاظة القول وسلاطة اللسان تخف في حدتها.. يهدأ الجميع من حوله.. يكفون الأذى النفسي والجسدي.. فيبقى هو من النوع الذي يتحرش بالآخرين ويثير حنقهم وغضبهم ويتلذذ بسماع «اللهم إني صائم».
كجملة يقولونها في صدق ويسخر هو منها في جهالة.. إن هذا النوع من البشر يعشق نهار رمضان في البيت ليلقي بثقل دمه على أفراد أسرته في البيت فإن كان متزوجا فإنه يصب جام غضبه على زوجته المسكينة وإن كان عازبا فإنه ينتقد صنوف الطعام التي تعدها والدته في عنجهية..كل يوم يعلو صراخه على مائدة الإفطار.. أنا هنا في الحقيقة أضحك من التقاء بعض الأسر على مائدة واحدة تمتلئ بصنوف الأطباق ونفوس أفرادها متكبرة ومتعالية ومصابة بالعطب والصدأ.. الكل يفرح في رمضان لتجتمع القلوب وتتآلف من جديد إلا أن الخلافات تبقى كما هي في رمضان وغير رمضان... ولا تظهر محاولات جادة للتسامح والبدء من جديد.. فيسود الصمت على مائدة الإفطار او السحور ولا يظهر إلا الصراخ وقت ظهور خطأ ما في إعداد الطعام في رمضان.. نبعث برسائل محمومة وتهاني محمودة ونرجو ان يسامحنا الناس على كل اختلاف وكل قطيعة وكل سلاطة لسان وكل خلاف على مال او إرث أو رأي أو أنانية أو حقد. ولكنها تظل رسائل ورقية أو الكترونية على وسائط الكترونية لا تترجم على أرض الواقع.. تظل النية في التسامح ورقية او الكترونية أما وفي الواقع فإن الجفاء يبقى والقطيعة تبقى. أما على مستوى العمل فما أدراك ما العمل؟ الكسل واضح وكذلك التغاضي عن العمل والإنتاج وتأخير المعاملات واستغلال وقت العمل في النوم والراحة والحديث عن إعداد الأطباق والأكلات.. ما الذي يختلف في رمضان؟ لماذا نربط الكسل ويقل إنتاجنا وحماسنا ونؤجل معاملاتنا في رمضان إلى ما بعد رمضان؟ لماذا لا نهب للعمل كباقي أيام السنة..؟ هل الجوع وحده هو الذي يجعلنا لا نركز ولا نقدر على ممارسة العمل؟ أم الترفع عن الاستغراق في الملذات والتجاوزات والمزاح الثقيل ومهازل الأخلاق والمواقف وزلات اللسان والفحش والبذاءة وغير ذلك مما كان يمنحنا لذة العمل هو سبب الكسل في العمل؟
هل مكارم الأخلاق التي نحاول أن نتصنعها في رمضان هي سبب الضيق الذي نشعر به في نهار رمضان؟ هل الاستقامة في القول والعمل هي السبب؟. سبحان الله.. نترك كل أمر طيب ونوجه أنفسنا للشعور بالسعادة وقت تعريض آذاننا لزنا السمع وتعريض عيوننا لزنا النظر وتعريض لساننا لزنا الكلام. ألا مرحبا بالجوع والعطش وصيام الجوارح وضعف البدن والنفس.. ومرحبا برمضان الذي يجزي الله به تعالى عباده خير الجزاء فإننا نعشق رمضان لأنه «رمضان» وأجر الصائم فيه عظيم. أما ولو قدر لنا ان نجيب عن سؤال استطلاعي حول أيهما نفضل في رمضان نهار رمضان أم ليالي رمضان؟ فإننا نحب كل دقيقة في رمضان من بزوغ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر وحتى مغيب الشمس والعكس.