تظل الفجوة قائمة بين كل سعي وجهد نحو تقريب مقولة " الشخص المناسب في المكان المناسب " وبين تجسيدها على أرض الواقع .. لأن الفجوة أساسها اختلاف وجهات النظر بين طموحات الدولة في تأسيس عقول متفتحة وترحيب بالحياة العلمية والعملية العصرية ذات العقلية البحثية والإنجازات الأكاديمية والتفكير الإيجابي وبين قناعات وتقاليد وضيق أفق و عدم دعم بعض الأهالي للأبناء المتفوقين والمؤهلين لأن يكونوا في يوم من الأيام قادة المستقبل . وهذه الفجوة تتسع في تناسب عكسي مع كل تقدم للدولة ومحاولتها اللحاق بالركب في رؤية ترفل بالجدية والحماسة والتنمية والإيجابية .. ومع كل جهود واضحة ورامية إلى تغيير المفاهيم الاجتماعية التي تنقل موروثا خاطئا وتجعل تغييب العقول جزء من ثقافة أسرية لا تنازل عنها أمام كل محاولات إقناع بالسماح للأبناء بالتغيير الاجتماعي والثقافي والعلمي الإيجابي وتبادل المعرفة والعلوم والثقافة والخبرة مع الآخر ذي الثقافة المختلفة والموروث الاجتماعي والثقافي المختلف .. بالتالي كيف يمكن أصلا للدولة أن تتنافس عالميا في الوقت الذي يقوم به بعض الأهالي بانتزاع حق إكمال التعليم أو إبداء الرأي أو المشاركة بالعمل في صناعة وعي جديد للدولة ؟ كيف يمكن أن نوجد الشخص المناسب في المكان المناسب وهذه الفجوة قائمة .. تبدأ هذه الفجوة في الظهور مع ظهور محاولات الإقناع الجادة والتضارب في القناعات عندما يريد أحد الاولاد الذكور او الإناث في الثانوية العامة رسم ملامح مستقبله كما يريده مستقبل الدولة ، مستقبل الاقتصاد والحداثة والتنمية والتعامل مع الآخر والحوار مع الآخر .. فإن الصدامات الفكرية والموروثات الاجتماعية تكون هي المحك والفيصل وتشكل القناعات وثقافة الأسرة بلبلة وربكة وهدر كثير للطاقات وتصيب معيار الاختيار في مقتل وتسلبه من الطالب الذي هو حق شرعي ممنوح للطالب لاختيار التخصص الذي يراه مناسبا له وفي إكمال تعليمه الجامعي بالتالي فإن عقول عديدة متفوقة تصبح مغيبة عن ساحة الإبداع ومهارات عديدة مطلوبة تصبح مستترة في ظل الجلوس في البيت أو امتهان مهن غير متناسبة مع الميول والقدرات أو الإقدام على وظيفة بغير رضا ولا تناسب مع القيم والاتجاهات التي تشكل طموحه فتصبح مقولة الشخص المناسب في المكان المناسب في مهب الريح . وتظل الطموحات مجرد وهم في وهم ..بما يفرضه علينا الواقع من خيارات مريرة و تقاليد بالية .. فإذا كانت هذه الخيارات والتقاليد تجعل الذكور الذين يتمتعون بالسلطة والقوة والفرعنة ويتدخلون في الشؤون إلى درجة الجنون يصطدمون بالواقع فكيف بالإناث ؟ فالاصطدام بالواقع وتدخل الأهل بقوة في صنع القرارات وتقليص الخيارات والتحكم في مستقبل الأبناء يعاني منه الطلبة من الجنسين . وأما الطالبات فتتحول فيهن مشاعر الحماسة والثقة والطموح والعزيمة بإكمال الدراسة الجامعية أو التقدم لأفضل الجامعات العالمية والمشاركة مع الرجل في دفع عجلة التنمية إلى مشاعر تعاسة وخيبات امل والشعور بالقهر والإحباط . فتكون نصف العقول الطلابية مهمشة أو غير مصقولة أو في المكان غير المناسب وهذا يستنزف من الدولة جهد كبير في مسألة إعادة النظر في تأهيل كوادر ليست في مكانها الصحيح وليست قادرة على الإنتاج والإنجاز لأن العمل ليس على توافق مع الطموحات ولا الميول ولا القدرات وتملك مشاعر سلبية وتصاب بالإحباط والبلادة وعدم الدافعية . بالتالي أتفهم مقولات جميلة أدلت بها سمو الشيخة موزة بنت ناصر المسند حرم أمير البلاد في كلمة ألقتها منذ فترة في إحدى الخطابات العالمية في حفل افتتاح مؤتمر حقوق الإنسان اختار منها :
• لابد من الكف عن تحميل الإسلام مسؤولية الفجوة الاقتصادية بين الجنسين
• القرآن الكريم لم يذكر قط أنه ينبغي حصر المرأة في مجالات أو وظائف محددة
• القيام بدراسات أكثر عمقاً حول الفجوة بين الجنسين مع الأخذ في الاعتبار ظروف المنطقة .
وأشارت سموها إلى عدم التطابق بين التعليم ومتطلبات السوق من الرجال والنساء وهي معضلة وأية معضلة تسعى الدولة إلى حلها بدءا بتغيير التفكير من التفكير السطحي والسلبي المنتقص للقدرات والزارع للدونية إلى التفكير الإيجابي القادر على العطاء والإنجاز والتعامل مع متغيرات الواقع بشيء من الحداثة وكثير من الحلول الشرعية التي تنصف الجنسين وتعزز القدرات وتقدر الطموحات .